سنةٌ كاملة من دون جان عبيد. العبارة قاسية، والأقسى أنّ هذه السنة هي الأولى، وستتبعها ثانية وثالثة وكثيرات. والقاسي، الى حدّ الوجع، أنّ من نحيي رحيله مضى قبل أن يكمل رسالته. لم يودّعنا بعبارةٍ من عباراته المنمّقة. هي المرة الأولى والوحيدة التي يكون فيها جان عبيد غدّاراً، هو المدرسة في أناقة الكلمة ولباقة الموقف والوفاء.
ولأنّه مدرسة، وقد عبرتُ فيها تلميذاً مع كثيرين ترك فيهم جان عبيد، وأقول اسمه دوماً من دون ألقابٍ لن تضيف على اسمه قيمةً، بصمةً، أجد نفسي معنيّاً بأن أكتب عن الرجل وعن ألم رحيله ذات فجر يوم إثنين، منذ عام.
في السياسة، كان جان عبيد فرصةً لم تأتِ، وكان يليق به أن يمرّ في القصر حاكماً حكيماً، صلباً في الموقف وليّناً في الإقناع. لا يكسر مع أحدٍ ولا يكسر أحداً ولا يكسره أحدٌ، وإن كان الثمن خروج لقمة الرئاسة من الفم. ولا يسكر أبداً، رجلاه على الأرض ورأسه يستوعب الآخرين، ويبرع في “دوزنة” المواقف، وتدوير الزوايا، ولم يجرح أحداً يوماً…
وكان من قلائل يمزجون السياسة بالثقافة، في زمنٍ غالبيّة سياسيّيه جهلة، يحاكون الغرائز ويعجزون عن محاكاة العقول.
وكان فريداً في القدرة على التواصل، يجالس الكبار فيصبح أكبرهم، وكلّما ازداد عمراً وارتفع موقعاً تواضع أكثر.
مضى جان عبيد، ولم أعرف رجلاً يذكره عارفوه بالخير كما يُذكر. وكلّ من عرفه فقد شيئاً في غيابه، الأب والجد والأخ والصديق والنائب والمعلّم. وكم علّم من دون أن يعظ، وكم ساعد من دون أن يمنّن، وكم تفنّن في إيصال الرسائل، فعجن الرأي بالفكاهة حتى إن وبّخ، على طريقته، أضحك سامعه بدل أن يغضبه.
سنةٌ كاملة من دون جان عبيد. سنةٌ تذكّرناه فيها مراراً. سنةٌ تألّمنا فيها على غيابه. وسيتذّكره مقرّبون، صلاةً، عند العاشرة والنصف من قبل ظهر غدٍ الأحد، في كنيسة مار مارون في طرابلس.
“ذكرى الصدّيق تدوم الى الأبد”. عبارةٌ كلّلت ورقة نعي ذكراه الأولى. وذكرى جان عبيد تدوم الى الأبد…
داني حداد-MTV
