لا تظنّوا ولو للحظةٍ أن قدرنا في لبنان أن يحكمنا الأسوأ… لا، ليس محكوما علينا أن نبتليَ بأسوأ العهودِ وأسوأ الحكّام، فتاريخنا كان شاهداً وفي حقباتٍ متعدّدة على شخصياتٍ شكّلت عمودَ بناءِ المؤسسات والانفتاح والازدهار…
لا تقعوا في فخّ التسمياتِ التي لا ننفكّ نسمعها حتى تترسّخ في عقلنا وأذهاننا عن الرئيسِ الذي قد يكونُ خلفًا، فنحن شعبٌ بثقافته وفكرهِ وحبّهِ للحياة يستحقُ رئيسا على شكله، يخطّط للأفضل، ولوطن مزدهر، بلا محاصصات أو عنتريات زائفة.
أمثلة عدّة عن شخصيّاتٍ حملت لقبَ فخامة الرئيس في لبنان، فارتبطت الفخامةُ بالبلد وبالرئيس على حد سواء، ومن هذه الامثلة فؤاد شهاب.
صحيحٌ أن الرجلَ جاء إلى القصر من خلفيّة عسكرية بعدما كان قائدا للجيش ورئيسا لحكومة عسكرية انتقالية لتأمين انتخابِ رئيسٍ يخلفُ بشارة الخوري، غير أن ممارستهُ السياسية لم تتّصف يومًا إلا بالانفتاح والاتزان، وهو تمكّن من إنجاز الاستحقاقِ الرئاسي خلال أربعة ايام فقط والتي انتخب بنتيجتها كميل شمعون.
أرسى دولةَ القانون والمؤسسات بكل ما للكلمة من معنى، ولم يكن محبّا للسلطة، حتى أنه بعد عامين من ولايته وبعيدَ اتمام استحقاقِ الانتخابات النيابية، اعتبر شهاب أن البلاد وُضعت على سكة الاستقرار وحان الوقتُ ليسلّم أمانة الرئاسة، فقدّم استقالته… غير أن مطالباتٍ سياسيةٍ واسعة أعادته عن قراره.
لم يكن من محبّي المناسبات والاحتفالات، فكان يعتذر عن عدمِ تلبيتها، كما كان يمنعُ على أيّ من أفرادِ عائلته أو المقربين منه أن يتعاطوا بشؤون الرئاسة، حتى انه كان يمنعهم من زيارته في القصر الجمهوري.
أما العبارة الأشهر التي لازمتهُ وكان يرددها مرارا فكانت “شو بيقول الكتاب” في إشارة إلى “الدستور والقانون” والتزامه بما يقولانه، وهو تطبيقا لما سبق ذكره، وقبل أن تنتهيَ مدةُ ولايته عام 1964 حاولَ كثرٌ إقناعهُ بالتجديد غير أنه لم يُذعن البتة، ورفضَ تعديلَ الدستور لهذه الغاية.
من القصصِ اللافتة المرتبطة بشخصٍ الرئيس شهاب أنه سأل مرّة عن تأخّر فواتير الكهرباء والمياه، فكان الجواب بأنه معفًى منها بصفتهِ رئيسا للجمهورية، غير أن ردّه جاء كالآتي: “أنا مواطنٌ ككل الناس، وعليّ دفع الفواتير لأن الدولة تؤمنها لي”.
عهدُ شهاب تميّز بالنهضة المؤسساتية والانفتاح على الدول، وإنجازاته الكثيرة، والتي نذكر منها: إنشاء المشروع الأخضر، وضع قانون النقد والتسليف، إنشاء مصرف لبنان المركزي وتدشين بنائه، إنشاء مجلس الخدمة المدنية، إنشاء مرفأ جونيه، إنشاء الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، إنشاء كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية، قانون التنظيم المدني الشامل لكل لبنان، إنشاء هيئة التفتيش المركزي، إعادة تنظيم مجلس القضاء الأعلى ومجلس شورى الدولة ومعهد الدروس القضائية والمحاكم الشرعية، إضافة إلى مشاريع أخرى متعددة.
عهدُ فؤاد شهاب كان عهدَ العمل والإنجاز… وهذا ما نحتاجه اليوم وغدا في لبنان، وهذا ما نستحقهُ اليوم وغدا… فلنبحث في تشرين عن أقوياء يعملون وينجزون، عن وطنيين لا تُغريهم مناصبُ بل يعتبرونها مهمّة يجب النجاح بإتمامها، لأن العكس… ونعني بها الرؤساء “المبهبطين” والخاضعين والمكبّلين بكيديّات ومحاور لن يزيدونا إلا غرقًا… فيما ثيابنا مبلولة بقرفهم، وجلّ ما نريده هو رئيس يبني لنا وطنا.
سينتيا سركيس-MTV
