يقاتي “إنَّهُ زَمَنُ المئويّاتِ اللبنانية. فمنذ عامين احتفلَتْ نقابةُ المحامين في بيروت بمرور قرنٍ على تأسيسِها، والعامَ الماضي كانت مئويةُ لبنان الكبير، واليوم تقيمُ نقابةُ المحامين في طرابلس الذكرى نفسَها وتحتفِل بمرورِ مئةِ عامٍ على إنشائها. إنه زمنٌ يشهدُ لعراقةِ هذا الوطن وهاتَيْنِ المؤسستَيْنِ الحقوقيتَيْن اللتَيْن واكبتا قيامَ لبنان، وتجدَّدَتَا على مرِّ السنين وتطوَّرَتْ قوانينُهما وأنظمتُهما، وظلَّتا شاهدتَيْن أمينتَيْنِ على تحقيق رسالة العدالة”.
ورأى أنّه “ليس من بابِ المصادفة أن تتميَّزَ طرابلس عن سائرِ مراكزِ المحافظاتِ التاريخية بإنشاءِ نقاباتٍ للمهنِ الحرة فيها، على قَدَمِ المساواة مع العاصمةِ بيروت التي تضمُّ نقاباتُها كاملَ لبنانَ ما عدا الشِّمال. لم يكن ذلك لأنها العاصمةُ الثانية، بل لأنَّها في حقيقتها فيحاءُ الهُوِيَّةِ قبلَ أن تكونَ فيحاءَ البساتين، ولأنَّها المدينةُ الجامعةُ لكلِّ أبناءِ الوطن، على اختلافِ تطلعاتِهم ومشاربِهم، ولأنَّ قواها الحيَّةَ كانَتْ ولا تَزَالُ تعبيرًا صادِقًا عن معنى الميثاق الوطني والعيشِ المشترَكِ الذي هو مغزى وجود لبنان”.
وشدّد ميقاتي على أنّ “الأعوام المئة مرَّت لم يقتصرْ خلالَها دورُ نقابةِ المحامين في طرابلس، على تنظيم المهنة وإدارةِ شؤون المحامين فقط، بل كان لها حضورٌ فاعلٌ في الحياةِ الوطنية اللبنانية من خلالِ حِرْصِها الدائم على الدعوةِ إلى قيام الدولة العادلة التي تلتزمُ سلطاتُها بأحكام الدستور ويتساوى فيها المواطنون أمام القانون، ومن خلالِ دِفاعِها المتواصِلِ عن استقلالِ السلطة القضائية، ومن خلال ما قدّمَت من شخصياتٍ سياسية وقضائية وإدارية من المحامين الذين أسْدَوْا للبنانَ خدماتٍ كبيرةً أثناءَ نهوضِهم بأعباء الشأن العام، ومن خلال حَمْلِها للقضايا الوطنية والقومية والإنسانية العادلة إلى المحافل العربية والدولية كاتحادِ المحامين العرب واتحادِ المحامين الدوليين، واتحادِ نقابات المحامين في دُوَل ِالبحر الأبيض المتوسط”.
وأكّد أنّ “وما يوازي هذه الأدوارَ أهميَّةً، أو ربَّما يفوقُها، تلكَ الأعرافُ الجامعةُ المعبِّرَةُ عن الوحدة الوطنية التي اخْتُصَّتْ بها نقابةُ المحامين في طرابلس منذ نشأتِها، فعاشتْها والتَزَمَتْ بتطبيقِها في كلِ الاستحقاقاتِ النقابية من دون أيِّ خلل، في وقائعَ كثيرةٍ لا تزال محفورة في ذاكرة المدينة والشّمال، منها مثلًا أن محامين فائزين في دَوْرَةِ انتخابٍ ما، كانوا يتنازلون عن فوزِهم ليحلَّ محلَّهم العضوُ الرديف، حفاظًا على قيمِ النقابة وتقاليدِها ومراعاةً لمقتضياتِ الوحدةِ الوطنية.
وقال “تبقى طرابلس مدينتي الحبيبة، مدينةُ العلم والعلماء، وواسطةُ العِقْدِ في شِمالِ لبنان، الفيحاءُ التي قدَّمَت كلَّ شيءٍ من أجلِ الوطنِ والعروبة، والتي تستحقُّ في المقابلِ الكثيرَ منّا، تنميةً وأمنًا وصحةً واقتصادًا وبنًى تحتيةً وفُرَصَ عمل. أعرفُ وتعرفون أنها عانَت الإهمالَ المتمادي طوالَ المئة الأولى من عمرِ لبنان (التي سمَّيْتُها مئةَ الأزمات)، وذلك على الرغمِ من الجهودِ الخيّرة والإراداتِ الطيِّبة التي لم تُؤْتِ ثمارَها على وجهٍ مستدام، بسبب طبيعة النظامِ اللبناني الذي يُنتِجُ الأزماتِ دائمًا ويفرضُ التسوياتِ دائمًا، ما حالَ دون إعطاء المدينةِ وغيرِها من المناطق اللبنانية الحقوقَ الطبيعية التي لها، فصارتْ ساحة حروب مدمّرة”..
ولفت ميقاتي إلى أنّه “ينبغي الإعلان من على هذا المنبر الحقوقي سعينا الدائمَ لانصافِ طرابلس وإعطائها حقَّها، كمدخلٍ لإنصاف سائر المدن والأقضية والمحافظات، وأن يكونَ هذا الإعلان شعارَ المئويةِ الثانية لجميعِ العهودِ والمجالسِ والحكومات والأحزاب، بما فيها الحكومةُ الحالية”.
وختم “عشتم .عاشت نقابة المحامين في طرابلس. عاشت طرابلس وعاش لبنان”.
