يقول المفكر العالمي المغفور له نهاد قلعي (حسني البرزان) في سلسلة غوار الطوشي التلفزيونية الكوميدية الشيقة “إذا اردت ان تعرف ماذا في إيطاليا فعليك ان تعرف ماذا يجري في الارجنتين”.
واقتباساً من المفكر حسني البرزان أقول إذا اردت ان تعرف ما هو القادم في لبنان اقتصاديا واجتماعيا فعليك ان تعرف ماذا جرى ويجري بين صندوق النقد الدولي والأرجنتين. ان العلاقة بين الارجنتين الخاوية على عروشها في اميركا الجنوبية وصندوق النقد قد تمثل نقطة ارتكاز لما هو قادم في العلاقة بين لبنان والصندوق وذلك الكلام ليس لرمي الكرة في ملعب الاتفاق الذي لم ينجز وربما لن ينجز في عهد هذه الحكومة المخيرة بين صنوف ثلاثة:
اما ان تكون حكومة مشلولة وميتة سريريا كما هي الان فلا حول ولا قدرة لها على الاجتماع خوفا من عدم القدرة على التئامها بفعل فيتو الثنائي حزب الله وحركة امل وقضية القاضي البيطار المرشحة الى مزيد من التعقيد. واما ان تعقد اجتماعاتها فتصبح لدى شريحة من اللبنانيين حكومة غير ميثاقية في لعبة الميثاقية التي لا تنتهي وعليها ستسمى الحكومة البتراء وتصبح قرارتها غير شرعية من الناحية الميثاقية. اما تتابع عملها اليوم في السراي حيث اللجان التي تغني في واد البلاد في واد اخر (اضرب الأساتذة الجامعيين / اضراب الأستاذة الثانويين والابتدائيين/إضرابات قطاع النقل/ إضرابات موظفي القطاع العام المنفوخ/اضراب الأساتذة المهنيين/……….) وبالتالي أصبحت في مكان ما حكومة تبحث عن دور عبر اللجان لتقول انها ما زالت على قيد الحياة وهنا نسأل كيف لحكومة تكافح لتقول انها ما زالت على قيد الحياة وتكاد تلفظ أنفاسها القدرة على ابرام اتفاق مع صندوق النقد علما ان الحالة الاجتماعية والتربوية والصحية وصلت الى الحضيض بفعل العملة الخضراء المحلقة عاليا في رحلتها الجوية المتجهة نحو 30 ألف للدولار الواحد وربما أكثرولا من يشعر مع الناس التي تموت في الليلة الاف المرات على ما غنى القيصر الساهر فأصبحوا يعيشون على امل اقوال وتوقعات العرافات.
لقد شرعت الارجنتين بالاتفاق مع صندوق النقد في وقت مبكر مقارنة بمعظم دول العالم، حيث استنجدت بوينس آيرس بالصندوق قبل أكثر من 60 سنة ولكن الحصيلة مظاهرات عمت العاصمة في 12/12/2021 مؤذنة بخراب كبير وربما يكون ذلك القادم على لبنان.
لقد حصلت الارجنتين على أول قرض في عام 1958، ومنذ ذلك الوقت ربطت الأرجنتين مستقبلها واقتصادها وعملتها وموازنتها بمطالب الصندوق الذي أبرمت معه 22 اتفاقية حصلت من خلالها على قروض ضخمة، وعلى مدى سنوات طويلة اندفعت حكومات الأرجنتين المتعاقبة على الصندوق للاستحواذ على الأموال السهلة منه ظناً منها أن قروضه ستنقذ البلاد وعملتها من الانهيار، وتضع الاقتصاد المأزوم دوماً على الطريق الصحيح وتمنحه التعافي وتبعد عنه خطر الإفلاس، وتعيد الاستثمارات الأجنبية الهاربة، وتحل المشاكل الاجتماعية الملحة ومنها البطالة والفقر والركود وقفزات الأسعار والتضخم، وغيرها من الكوارث المالية، وتعيد كذلك الهدوء إلى سوق الصرف المضطربة والعملة “البيزو” التي شكل انهيارها المتواصل حرجا شديدا للحكومات، وتحدياً للاستقرار المالي والاقتصادي و الاجتماعي، بل والسياسيو كذلك هو الحال اللبناني يسير بنفس الاتجاه و ربما طريق جهنم اللبنانية اشد وعورة للأسف.
وعلى نقيض ذلك الاستقرار الموعود، شهدت الأرجنتين مجموعة إفلاسات متواصلة وحالات تعثر متعددة، منها مثلاً ما حدث في العام 1999 حيث انفجرت الأوضاع الاقتصادية عقب وصول متوسط الدين إلى مستويات غير مسبوقة (132 مليار دولار)، وكذا في عام 2001 حيث عجزت عن سداد قروض بقيمة 132 مليار دولار عقب تراجع الناتج المحلي بنسبة 28% وزيادة معدل البطالة إلى أكثر من 20%. وبسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية شهدت البلاد حالة من عدم الاستقرار السياسي حيث تعاقب على حكم الأرجنتين مجموعة كبيرة منالرؤساء في الفترة من 1999- حتى تاريخه.
وفي الحالة اللبنانية افلاس مقنع ودين بما يقارب 100 مليار دولار واقتصاد متهالك يحتضر ولا طبيب مدويا وناتج محلي سقط من 55 مليار الى 18 مليار؟! وبطالة قرابة 48% وفقراء يقاربون 80%.
والحقيقة تقول انه مع كل حالة تعثر جديد تندفع الأرجنتين أكثر نحو صندوق النقد الدولي لتحصل كما في العام 2018 على أكبر قرض في تاريخ المؤسسة المالية الدولية بقيمة 57 مليار دولار، ساعتها ظنت الحكومة أن هذا القرض السخي كاف لطمأنه الأسواق المحلية والأجنبية على حد سواء، خاصة وأنها ستمكنها من سداد الديون الخارجية ومستحقات أصحاب السندات الدولية.
لكن بعد أقل من عامين لعمر أكبر قرض في تاريخ الصندوق، عاودت الأرجنتين اللجوء إلى المؤسسة الدولية للخلاص من حصار المقرضين الذي يهدد أكبر اقتصادات أميركا الجنوبية بالإفلاس، وطلبت الحكومة رسميا، بدء مفاوضات مع الصندوق للحصول على قروض جديدة.
وعليه التوقعات اللبنانية لا تبشر بالخير حيث بعد عامين لا أحد يعرف حجم الفجوة المالية ورقمها الفعلي فربما 50 او 55 او 61 او 69 مليار دولار ولكل طرف مقاربته والطاسة ضايعة بانتظار ما سيحسمه صندوق النقد القوي صاحب اليد الطولى في فرض شروطه عندما يحين وقت رزنامة المجتمع الدولي لبلورة حل للبنان وفقا لاجندات مرسومة سلفا. ببساطة ما يحدث في الأرجنتين هو درس قاس لكل دول العالم التي تستسهل الحصول على قروض من صندوق النقد وغيره من المؤسسات المالية الدولية دون الاعتماد على الموارد الذاتية، وترشيد الإنفاق العام، وعدم الإساءة لموارد الدولة، وإهمال ملفات مكافحة الفساد ووقف نهب المال العام وضرب حقوق المودعين كبارا كانوا ام صغار.
وعليه على اهل الحل والعقد في لبنان أن يأخذوا العظة والعبرة من تجربة الأرجنتين في صوغ مقاربة مقبولة ضمن الوقائع اللبنانية، فلا الصندوق أنقذ الارجنتين من مخاطر التعثر والفقر وتهاوي العملة كما زعم، ولا البلاد باتت قادرة على إعادة التعافي لاقتصادها أو سداد الديون المستحقة عليها، وكما يقولون فإنه نادرا ما ينتهي الالتزام الأعمى بوصفات صندوق النقد نهاية سعيدة، وهو ما رأيناه من قبل في العديد من الدول، وربما ما سنشهده في لبنان مع حالة التخبط المستمرة حيث الإصلاحات المفقودة التي تعد كلمة السر مع الفرنسيين و العرب وكل المعنيين بالملف اللبناني.
د. محمد موسى
