ليست صعبة إمكانية التعرف مسبقاً إلى آراء النواب والكتل النيابية الأساسية في موضوع الانتخابات الرئاسية موعداً وأسماء وإشتراطات.
المجلس الجديد، المنتخب في أيار الماضي، استعاد تقريباً كتله الأساسية السابقة. الجديد فيه الغياب الرسمي لكتلة اساسية هي كتلة تيار المستقبل برئاسة سعد الحريري والسقوط المدوي لممثلي النظام السوري (البعث والقومي والديمقراطي…) من جهة، والخرق المميز الذي سجله ممثلو مناخ انتفاضة تشرين وتشكيلهم كتلة نيابية وازنة، من جهة أخرى.
أبقت تشكيلة المجلس الجديد، الطائفية والمذهبية والسياسية،على صورة الخلاف الذي يعصف بالبلد كما كانت قبل ست سنوات، وهي تهدد بالتالي بتكرار المسلسل الذي قاد إلى التعطيل والفراغ المستدام في سدة الرئاسة وما اعقبه من تكريس لأعراف جديدة في الحكم قوامها التعطيل على كل المستويات، والمحاصصة الفئوية القاتلة لحسن الادارة وسلامة المؤسسات وفعاليتها.
زاد غياب التيار المعتدل في الوسط الاسلامي (المستقبل) من ضبابية الصورة، ووضع هذا الغياب تياراً آخر يمثل «حزب الله» مكشوفاً في الواجهة، تقابله تيارات في الوسطين الإسلامي والمسيحي، أبرزها القوات اللبنانية التي ترفض تفرده ومحاولاته الدؤوبة لوضع يده على البلاد ومقدراتها. ازدادت حدة الانقسام عشية الموعد الدستوري الأهم مترافقاً مع أزمة غير مسبوقة تطال مختلف جوانب حياة اللبنانيين، وفيما يفترض التفكير بسرعة وجدية في إيجاد المخارج عبر خيارات جديدة تسمح بتجديد المؤسسات والإنطلاق إلى المعالجات، تميل القوى الأساسية إلى التخاطب من فوق السطوح، فيستعيد «حزب الله» خطاب الاتهام ونبش القبور ليمتطيه حلفاء له وليجد الآخرون أنفسهم في موقع رد الاتهام بمثله، ما يجعل المعركة الحقيقية في مكان آخر.
يبدو تحرك النواب التغييريين في هذه المعمعة وكأنه ضربة سيف في المياه. لكنه تحرك لا بد منه ولو اقتصرت نتائجه على بعض التحريك للمياه الراكدة. فإحدى مشاكل الحياة السياسية المستفحلة خلال السنوات الأخيرة، كنتاج لمرحلة الهيمنة السورية، كانت في استحالة التواصل بين الفرقاء، أو حصره في نطاق التحاصص والمجاملات، وفي مبادرة التغييريين محاولة لخرق هذا التطبيع، تتضمن أصول المجاملة ولكن، وهذا هو الأهم، طرح اسس جديدة لاستئناف الحياة العامة بعد إحداث انقلاب في سلوكياتها.
لا يخلو التاريخ السياسي اللبناني من تكتلات وشخصيات لعبت مثل هذا الدور الضروري احياناً، وغالباً ما كان المتضررون يوجهون اليهم السهام، ولكن ثبت في النهاية أن ما قام به مثل هؤلاء هو مهمة نبيلة تستحق المحاولة.
طوني فرنسيس – نداء الوطن
